ابن عجيبة
445
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ومفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها ، ولعله تعالى لمّا وصفه بخمسة أوصاف ، قابل كلا منها بخطاب مناسب له ، فقابل الشاهد بقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ لأنه يكون شاهدا على أمته ، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم ، وهو الفضل الكبير ، وقابل المبشّر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين ؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين ، وهو مناسب للبشارة ، وقابل النذير بدع أذاهم ؛ لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل ، والأذى له ، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل ، كانوا منذرين به في المستقبل . وقابل الداعي إلى اللّه بأمره بالتوكل عليه ؛ لأن من توكل على اللّه يسّر عليه كل عسير ، فتسهل الدعوة ، ويتيسر أمرها ، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا ؛ لأن من أناره اللّه وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفى به عن جميع خلقه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال الورتجبي : إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا ، أنت شاهدنا ، شاهدناك وشهدت علينا ، فألبستك أنوار ربوبيتى ، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا . قلت : لأن نوره صلى اللّه عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق ، فمن شهده شهد الحق . ثم قال : ومن نظر إليك فقد نظر إلينا . قال صلى اللّه عليه وسلم : « من عرفني فقد عرف الحق ، ومن رآني فقد رأى الحق » . ثم قال : وَسِراجاً مُنِيراً ، أسرجت نورك من نوري ، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين ، فيأتون إلىّ بنورك . ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته ، بلا حجاب ولا عتاب . ه . قال القشيري : يا أيها المشرّف من قبلنا ؛ إنّا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا ، ومبشرا ، تبشر عبادنا بنا ، وتحذّرهم مخالفة أمرنا ، وتعلمهم مواضع الخوف منا ، وداعيا الخلق إلينا بنا ، وسراجا منيرا يستضيئون بك ، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدّقك وآمن بك ، ولا يصل إلينا إلا من اتّبعك وخدمك وقدّمك ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بفضلنا عليهم ، ونيلهم طولنا عليهم ، وإحساننا إليهم . ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك ؛ فلا قدر لهم عندنا . ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه ، من أهل الكفر والنفاق ، وأهل البدع والشقاق ، وتوكل على اللّه ؛ بدوام الانقطاع إليه ، وكفى باللّه وكيلا . ه . ثم ذكر حكم المطلقة قبل الدخول ، وأنه لا عدّة عليها . مناسب لقوله : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ . . . إلخ ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 49 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ( 49 )